العلامة المجلسي

221

بحار الأنوار

وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك [ وإن اجتهدت مبلغ ] نظري لك ، واعلم . [ يا بني ] أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت صفته وفعاله ولكنه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه وأنه خالق كل شئ وأنه أجل من أن يثبت لربوبيته بالإحاطة قلب أو بصر ( 1 ) وإذا أنت عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثك في صغر خطرك وقلة مقدرتك وعظم حاجتك إليه أن يفعل مثله في طلب طاعته والرهبة له والشفقة من سخطه ، فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح . أي بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها بأهلها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها وضربت لك فيها الأمثال ، إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا [ وجنابا مريعا ] فاحتملوا وعثاء الطريق ( 2 ) وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ( 3 ) ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون نفقته مغرما ولا شيئا أحب إليهم مما قربهم من منزلهم ، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصب فنبابهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ( 4 ) ويصيرون إليه ، وقرعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما ، فإن ورد عليك شي لا تعرفه أكبرت ذلك فان العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل فعد نفسه بذلك جاهلا ، فازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا ، فما يزال للعلم طالبا ، وفيه راغبا ، وله مستفيدا ، ولأهله خاشعا ولرأيه متهما ( 5 ) وللصمت لازما ، وللخطأ حاذرا ، ومنه مستحييا .

--> ( 1 ) كذا وفى النهج " من أن يثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر " . ( 2 ) الجناب : الناحية . والريع : كثير العشب . ووعثاء الطريق : مشقته . ( 3 ) في النهج " خشونة السفر وجشوبة المطعم " والجشوبة بضم الجيم : الغلظ أو كون الطعام بلا أدم . ( 4 ) هجم عليه أي انتهى إليه بغتة . ( 5 ) في المصدر " ولأهله خاشعا مهتما " .